Friday, May 30, 2008

حيطان من دم

تحمل هم الدنيا فوق رأسك .. تحمل كل أوجاعها .. رأسك أثقل من حجر الطاحون .. لا تبرئ نفسك .. لا تغفر لها ما حدث .. قصد أو غير قصد .. الذنب في النهاية ذنبك .. الخطأ خطأك مهما حاولت أن تختلق من مبررات .. مهما حاولت أن توجد من أعذار .. لم تضع في حساباتك أن ذلك قد يقع .. لم تفكر للحظة ما قد يحصل .. درست البدايات وتاهت منك أخطر الأسباب والنتائج .. فرحتك بلمة الأورد المنتظرة أنستك باقي الخيوط ، باقي التفاصيل .. جعلتك لا تنظر أبعد من باب الدار .. دار المخيم ، المائة متر .. على شارعين .. قريبة من المرافق العامة .. ترتفع إل ثلاث شقق .. ثلاثة طوابق .. كل واحد من أولادك بحاجة إلى شقة عندما يقررون الاستقرار هنا عاجلا أو آجلاً .. غدا أو بعد غد .. سنة أو عشرة ، سيأتي اليوم الذي تلفظهم فيه مياه الخليج ، سيأتي اليوم الذي يكلون فيه من الغربة .. تشبع الغربة منهم .. تمتصهم .. ترميهم .لماذا لم تجعل العمارة من طابقين فقط ؟؟ شقتين ؟؟ بلاء أخف من بلاء ، مصيبة أهون من مصيبة . لماذا لم تقنع بشقة واحدة ؟؟ تكتفي بطابق واحد لا يعلو الأسطح المجاورة في كثير أو قليل .. طابق لا يلفت نظرهم ، لا يخدم هدفهم .. لا يمنح الملاعين فرصة غرس السكين في صدر المخيم .. ولماذا الطابق أصلاً ؟؟ لماذا الهدم والبنيان وتعب القلب ؟ لماذا الشقق وهم الشقق ؟ لماذا لم تترك دار المخيم على وضعها الأصلى .. تدع الأمور تسير على طبيعتها .. وعندما يأتي الأولاد تترك لهم الجمل بما حمل .. يسوقونه كيفما شاءوا يدبرونه بحسب رغبتهم . .. كل بقعة دم سالت في عمارتك .. طرزت حيطان وأكتاف المخيم تصحنك إلى فتافيت .. ذرات مخنوقة تنز حرقة وغشاوة .. تطاردك بقع الدم .. أمواس مسنونة تنشر عظامك .. أنت السبب .. أنت المسؤول . أنت الذي أقمت أوتار المشنقة .. جهزت كلاباتها المدببة .. لم ترضَ لشراعك أن يمضي كباقي أشرعة الخلق .. كنت مستوراً في دارك .. لم يخطر ببالك ما قد يحدث .. لم تكن الأمور على مثل هذه الصورة .. لهفتك على اللمة المرتقبة غطت مساحات تفكيرك .. مثلي مثلكم لا أملك من العمارة شيئاً منذ أكثر من سنة .. لا أتحكم فيها .. لا أستطيع حتى مجرد الاقتراب من الأسلاك والحواجز الأسمنتية التي تطوقها .. لو كان الأمر موكولاً إليّ لجعلت أعلاها أسفلها ، دككتها دكاً .. دفعتها بيدي للبحر ، دفنتها في قاعه .من كان يتوقع حدوث ذلك ؟؟ من كان يخمن بما سيجري ؟؟ لست أول من أسس داراً .. لست أول من شيد .. لست الأخير .. لم أفعل شيئاً يختلف عما فعله الكثيرمن العباد .. لم أرتكب جرماً .. لكنه السهم الذي انطلق يتشمم دارك .. يتنزى شهوة للدم .. يتركك تنزف عمراً بأكمله .. دهراً بأكمله . كل ليلة تمر بك تحس درجات الدار أفاعٍ تتلوى حول عنقك ، تلدغك .. تسحب أنفاسك .. تهب مفزوعاً تبحث عن شيء تاه منك .. شيء غادرك .. حلم افتقدته .عندما حضر أولادك آخر زيارة اكتشفت أن دار المخيم لم تعد تتسع بغرفها الضيقة لهم ولعيالهم .. لولا أن بساط الصيف واسع ما استطعت أن تستر وقتك .. ترى هل ضاقت الغرف أم أن عدد الأنفار قد اتسع وتمدد ؟ يقترحون عليك مساحة أوسع .. مساحة مناسبة يقيمون فوقها بناء كافياً يجمعهم عند المجيء . تدلهم على المساحة والمكان .. دار المخيم .. لا تكل من محاولات الإقناع .. مائة متر .. على شارعين .. قريبة من السوق والعيادة .. ملاصقة للمدارس .. طريق مواصلات .. نهدم الغرف .. نقيم فوقها المطلوب .. ليس من السهل مفارقة هذا المكان ، لا يمكن التفريط بجيرانك بعد هذا العمر الطويل .. العِشرة لا تهون ببساطة .. أعوام طويلة بمرها وعلقمها الكثير وحلوها القليل .. أعوام ممتدة وحكايا البلد لا تفارق ذاكرة المخيم .. تتمنى لو تمتطي عمارة من عشرة طوابق .. عشرين .. تظل مغروزاً أعلى السطح .. عيناك مزروعتان جهة الشمال .. تستكشف دار البلد ، المجدل .. البيارة المحظورة . تمضي الأيام وأنت مُسمر فوق سطح عمارتك .. يرسل لك الأولاد تحويشة عمرهم .. دم الغربة وشقاءها .. ثلاثة طوابق .. ثلاث شقق فوق دار المخيم .. قادمون إن عاجلاً أو آجلاً .صقيع ينخر أوصالك .. برودة .. وحدة .. كآبة بعد المرحومة وزيجة البنات وغربة الأبناء .. ستحاول إقناعهم .. تعمل كل جهدك .. تتوسل إليهم أن يظلوا حولك .. يملأوا الدار عليك بأنفاسهم وأولادهم .. والعمل كثير وما يرسله الله نعمة وفضل وخير كثير . تظل ساهراً طول الليل .. عيناك على تحويشة أولادك .. شقاء عمرهم .. كل قرش منها تقابله قطرة عرق مجبولة بدم الغربة وأوجاعها .. لن تفرط في تعبهم ببساطة .. لن تذهب نقطة منه بسهولة .. دون متابعة أو حساب .. ستحاول أن تظهر بهيئة العارف الخبير في أمور البنيان ، تسأل عن أسعار الحديد .. تفاصل .. تركض وراء تجار الجير والإسمنت .. تنتقل من مخزن إلى مخزن .. تستفسر عن أحوال الطوبار .. أمور الباطون ولوازمه .. قواعد الأسمنت .. الغروز .. الخرسانة والتسليح .. بيت الدرج .. البسطات ، الأعمدة .. المناور .. التهوية .. تطارد قلابات الرمل والحصمة .. المقاول .. الخلاطة .. عربات الحجارة والرمل .. تجري وراء مهندس البلدية من مكتب إلى مكتب .. الخريطة التي يرسمها لا تعوقها الأختام .. لا يعوقها التنفيذ .. كلما ارتفع عمود باطون .. سطح .. طوف حجارة .. يرتفع في داخلك أمل بقرب لمة الأولاد . * * *من دون عمارات الخلق اختار السهم عمارتك .. أصاب قلبك ، شقاء العمر ودم الغربة .. كنت مشغولاً وقتها بنقل قوالب الطوب.. رفعها .. تجهيزها لقواطع الشقة العلوية عندما دهمتك زمجرة لا سلكي .. عواء صفير .. قرقعة أحذية ، يسقط القالب من يديك .أخبرك البعض بعدها أنهم شاهدوا عدة جيبات عسكرية تقف قرب دارك .. إشارات من أصابع أحدهم قبل أن يزيحوا ألواح الخشب التي تسد فراغ الباب .. بندقية .. اثنتان .. عشر .. غابة من البواريد .. يصخب الدم في رأسك ، تندفع ، تسبقهم إلى مدخل السطح ، تعرف مقصدهم .. تعرف ما يخبئونه .. فعلوها في أكثر من مكان ، أكثر من شارع .. كنت تطرد من ذهنك في الأيام الأخيرة كل وسوسة في هذا الموضوع .. تبعدها عن تفكيرك .. تستعين ببركات أولياء الله والصالحين .تعرف غرضهم .. مصادرة العمارة .. تحويل سطحها إلى برج مراقبة .. رصد ، استكشاف .. مسلخ .. تغلق المدخل بيدك .. تتحجر أصابعك فوق الحيطان .. تواجههم بجسدك .. إلى أين ؟ ماذا تريدون ؟ هذا بيت له حرمة .. له أصحاب .. اخرجوا .. انقلعوا .. تجهنموا .. يتكاثرون عليك .. رطن .. يزقونك ..تكبو ..تنهض ثانية .. تسد المدخل .. تتيبس أصابعك فوق الحيطان .. يدفعونك .. تتشبث بالهواء .. تتدحرج ، ترتطم بقوالب الطوب المصفوفة .طائر أسود يغرز أظافره المعقوفة في قلبك .. تتشابك الألوان في رأسك ، طنين يقتلع الآذان .. تختلط الحيطان بالدرجات .. يختلط السطح بأرضية الاسفلت .. يختلط الغبار بالطين بزبد الشفتين .. تهجم على حجر .. لا يطاوعك ذراعك .. طقطقة .. سخونة حادة .. جمر متقد .. يحتضنك الشباب .. ترفض أن تتزحزح .. ترجم بيدك الثانية أعلى ما يمكنك .. يرتد الحجر غباراً في حلقك .. هتافات .. يشتعل موج الشاطئ .. يشتعل رمل البحر .. يتدفق ساخنا ساخناً . رصاص .. رائحة الإطارات الملتهبة معجونة برائحة قنابل الغاز .لم تحسب حساب مثل هذا اليوم .. لم يخطر ببالك وأنت تحمل العمارة بوصة بوصة أن خاتمة سف الرمل والاسمنت وملح العرق ستكون كذلك . لم تتوقع ذلك .. غادرتك فطنتك .. أبسط البديهيات ، يلاحقونك على دار المخيم .. يلاحقونك على كل شبر .. لم تكفهم البلد ودار البلد .. يريدون أن يسلبوا باقي عمرك .. مصادرة دم أولادك النازف فوق أرصفة الغربة .لم تهنأ بالدار .. لم يغادرك تعبها .. لم تتح لك فرصة إكمالها .. لا بلاط .. لا قصارة .. لا أبواب .. لا شبابيك .. أعمدة وسطوح وبعض الحيطان .. عظم ناشف غير مكسو .. عظم ينتظر التشطيب .. ينتظر الفرج .. تتصل بالأولاد .. النقود لا تكفي إلا لتلك المرحلة .. يخبرونك أنهم سيحاولون تدبير الأمر .. إرسال المدد اللازم ، سيضغطون على أنفسهم .. الحمل ثقيل .. أعطنا مهلة .. فسحة من الزمن .. عدة شهور .تتردد بين مساحات الدار .. تعلو الدرجات .. يدق قلبك وأنت تتخيل لمة الأولاد .. ضحكات أطفالهم .. شقاوتهم .. يقفزون في حجرك .. فوق كتفيك ..تحملهم على ظهرك .. تسير بهم على أربعتك من درجة إلى أخرى .. من بسطة إلى بسطة ، من باب إلى باب .. تتنطط بهم وهم يدفعونك في خاصرتيك .. يسوقونك بأقدامهم الصغيرة .. يستعجلونك .. ساعات طويلة .. ليال بطولها وعرضها وأنت مزروع فوق السطح .. تود لو كنت خيط شعاع يسيل من تلك النجمة التي تطل عيونها على دار البلد المحظورة في المجدل . * * *لا تبرئ نفسك .. تلومها ليل نهار .. ينوء صدرك بأعباء ذنب لم ترتكبه .. لم تقصده .. لم تخطط له .عمارتك تختلف عن غيرها .. تمتاز عما حولها .. لا تدري ميزة أم نقيصة ! طوابقك أعلى من سواها .. تتوسط قلب المخيم ، تعلو أسطحه .. تمتطي أزقته ودروبه .. تتحكم في أطرافه .. يمكن أن تستكشف من فوقها حتى أسماك البحر .. صخوره .. طحالبه .. قواربه المصلوبة .عمارتك ، سطحها .. برج المراقبة طاعون يوزع وباءه في كل اتجاه .. كاميرات تصوير .. أجهزة اتصال .. رصاص قنص .. أسيجة .. إشارات ..تسهيل مهام الدوريات الراجلة والمحمولة .. توجيههم إلى مواطن الاشتعال .. التفجر .عندما تفر الدوريات من وجه القبضات والحجارة يتشمم الطائر الأسود القابع أعلى عمارتك رائحة الدم في انتشاء ، تتحول دارك إلى سكين ، زنزانة تصبغ أرضيتها وحيطانها بقع من دم فوار ينتشر ملحاً وغشاوة في حدقتيك .. تهرب من العيون إلى العيون .. من الحيطان إلى الحيطان .. من الأسلاك إلى الأسلاك .يُحملك البعض كل ذنوب الأرض .. كل أخطاء الكون ، تداري وجهك من الناس .. لا تغادر دار ابنتك إلا عند الضرورة .. تدق بابك كلمات جارك "السعدي" : ـ لا تحمل نفسك فوق طاقتها يا أبو صالح .. ليس لك دخل بما حصل .. لست أول من أقام بناء ولن تكون الأخير .. لو لم يركبوا دارك لركبوا غيرها .. يفتشون عن طرق مختلفة .. دوامات لخنق أنفاسنا .. إغراقنا .. منعنا من التفكير ، نحيبك لا يحل المشكلة .. لا يعد الرد المناسب .. الرد المطلوب .. * * *كنت منكمشاً في مكانك .. دار ابنتك عندما انهمرت دقات على الباب أصوات لاهثة : ـ أبو صالح .. اليهود تركوا العمارة .. فككوا برج المراقبة .. سحبوا الأسلاك معهم . ـ البركة في الشباب ..نغصوا عليهم عيشتهم .. نشفوا ريقهم .. لم يتركوهم يهنأوا دقيقة راحة .تتجمد للحظات .. لم تميز الكلمات في البداية .. لم تستوعبها .. لم تدرِ أنك المقصود بها ، ترتعش أوصالك .. ترفع رأسك .. حجر الطاحون الممتد بطول أيام السنة أو يزيد .تتشرب الكلمات حرفاً حرفاً .. لا تعي ما حدث .. لا تحس بنفسك .. تركض حافياً .. عيونك تسبق خطواتك . تقطع المسافة من التموين إلى العمارة في وقت يعجز عنه الشباب .. لهاثه خوار متصل .. خوار لا يهتم بمداراته .. قلبه دقات متراكضة .. جموع تحيط بالعمارة .. هتافات أعلى الطوابق الثلاثة .. السطح .. موضع برج المراقبة ..الطاعون .. الكلابات المدببة .. تتدافع فوق الدرجات ، تقفز من بسطة إلى بسطة .. يسندك الشباب .. لاتدري كيف وصلت السطح .. بقع دم تكسو الحيطان .. تطرز الأرضية ..تختلط بنقط العرق المجبولة بأوجاع الغربة ، طائر أسود بأظافر معقوفة يمط عنقه .. شهوة لعق الدم تنضح من أنحائه . تمتد يدك تخطف فأساً من أحد الشباب .. تهوي به فوق الحيطان ، فوق الأعمدة .. فوق الأرضية .. فوق الدرجات .. أكثر من سنة وأنت تنتظر هذه الساعة .. هذه اللحظة .. لن تمنحهم فرصة أن يركبوا دارك ثانية .. لن تسمح أن تتحول عمارتك إلى سكين مرة أخرى .. ستكون مهمتهم صعبة ، مستحيلة هذه المرة .الأيدي فؤوس .. مواسير .. مهدات حديدية تدك كل بوصة في السطح .. تعجنها .. تتساقط كتل الباطون .. أوتاد المشنقة .. تتعرى شبكة الأسياخ .. تتسع الثغرة .. منه العوض وعليه العوض .. تتهاوى الدرجات .. غبار وتراب خشن في العيون والحلوق .منه العوض وعليه العوض .. لن تتوه حساباتك .. مقدماتك ونتائجك .. جسمك يعود لوضعه الطبيعي .. حجر ثقيل ينزاح عن صدرك .. غشاوة تفارق عينيك .. تعانق العيون كلها .. تعانقك العيون .. لمة الأولاد .. ضحكات الصغار .. القوارب المحظورة .. رمل البحر .. الرد المطلوب .يحملك الشباب فوق أعناقهم .. يدرورون بك من درجة إلى أخرى .. من بسطة إلى بسطة .. هتافات .. فؤوس .. أعلام .. حشد لا ينتهي .. تتأمل الجهات ..تتسمر نظراتك في اتجاه محدد .. عيناه نجمتان لامعتان تستكشفان دارا محظورة ناحية الشمال .

قصة للكاتب الفلسطيني زكي العيلة

Labels:

0 Comments:

Post a Comment

<< Home