فلسطين 2009.. مصالحة عصـية وتسوية مُـجمّـدة

عام كامِـل مرّ على القضية الفلسطينية، كأنه الدّهر كله، لم تتحرّك فيه عقارِب الساعة. ففي نهاية هذا العام، تعود دورة الزّمن إلى بدايته التي شهدت عُـدوانا إسرائيليا غاشِـما على قطاع غزة، أمكن احتواءه ثمّ بعد ذلك، لا شيء آخر.
فالحصار على حاله ومسيرة التسوِية لم تتحرّك قيْـد أنملة، ومصالحة فلسطينية بُـذل فيها الكثير من الوقت والطاقة والأوراق والأحبار والمحادثات الهاتفية والتحضيرات، ثم النتيجة لا شيء جديد. فنهاية العام كبدايته، جُـمود في جمود.
أسباب الجمود
هذا الجمود يعود إلى أسباب عِـدّة، بعضها مُـكرّر قيل الكثير منه في مناسبات عديدة، منها الانقسام الفلسطيني الذي أصبح يجِـد من يحميه ويُـبرِّره ويعمل على إطالته، تحت زعم أن المصالحة الشاملة تحمل الخطر على المقاومة الثائرة في غزة، فى حين يسأل المرء نفسه: أين هذه المُـقاومة والناس في القطاع لا تجد قوت يومها ولا تجد ما يَـقِـيها بردا أو حرا، وحتى المعُـونات التي تأتي من هنا وهناك مقوّمة عند حدّ الكفاف ولا شيء آخر. ناهيك عن قيام حكومة حماس بضبْـط الأوضاع العسكرية مع إسرائيل، في حين كانت ترفض ذلك إبّـان وجود السلطة في غزة قبل عاميْـن ونِـصف.
ومنها أيضا التعنُّـت الإسرائيلي الذي هو نتيجة طبيعية لسطوة اليمين على الحياة السياسية الإسرائيلية. هذا اليمين الذي يرى أن أي مفاوضات مع السلطة الفلسطينية الضعيفة، هي فقط لأجل تضييع الوقت وخِـداع الإعلام الدولي، بأن ثمّـة شيئا يتحرّك، في حين تستمر خُـطط الاستيطان والتهويد لكل شِـبر في الأراضي الفلسطينية المحتلّـة في الضفة الغربية.
ومنها ثالثا، نكوص الرئيس أوباما عن وعوده بدفْـع عملية السلام وتبنّـي حل الدولتيْـن عبْـر مفاوضات جدِية وتجميد للإستيطان وتحديد الحدود بين الدولتيْـن الموعودتيْـن.
وعود أثارت بدورها الكثير من الأحلام العربية وحلّـقت بها إلى السماء العُـلى، ثم جاء خريف العام ليلقي بها إلى الأسفل، غير مأسوفا عليها، فقد تخلّـى اوباما عن وعودِه ونجح اليمين الإسرائيلي مدعوما بجماعة الضّـغط الصهيوينة في عُـمق الولايات المتحدة في قلب وعود الرئيس أوباما، إلى سَـراب.
الحلقة المُـفرغة
العوامل الثلاثة تُـشكِّـل في ذاتها حلقة مُـفرغة. فتعثُّـر المصالحة مسؤول عنه ضُـعف المفاوض الفلسطيني، ممثَّـلا في الرئيس محمود عباس، الذي لم يجِـد موقِـفا أفضل من الإعلان عن الاستقالة من موقِـع رئيس السلطة، رافضا ترشيح نفسه في الانتخابات الرئاسية المقبلة، بعد أن أصدر مرسومها المشروط بإنهاء الانقِـسام.
وجمود التسوية هذا برّرت به حماس موقِـفها الرّافض للمصالحة. فمن ناحية، ثبت فشل خيار التسوية والانفتاح على إسرائيل والولايات المتحدة، ومن ناحية ثانية، لا شيء عسكريا كان أو سياسيا يُـمكن أن يُـجبرها على التخلّـي عن نفوذها المستحكم في القطاع. ويكفي ذلك الصُّـمود أمام الآلة العسكرية الوحشية الإسرائيلية مبرّرا للبقاء، رغم قسوة الحياة في القطاع نتيجة الحصار.
قد يجد المرء في موقف حماس هذا نوعا من اللاّعقلانية ومن الشّـطط السياسي، لكنه عند أصحابه تجسيد لموازين القِـوى بين حماس من جانب، وكلّ من السلطة الوطنية وإسرائيل من جانب آخر. ولا يعني ذلك أن حماس هي أكثر قوة مادية وعسكرية من هذيْـن الطرفيْـن، كل على انفراد، وإنما يعني أن قوة كل طرف فى إجبار حماس المُـتمترسة بالشعب الغزّاوي على إعادة هيكلة تصرّفها السياسي والعسكري والدعائي، هي قوة محدودة.
فالأساليب اللاأخلاقية التي اتّـبعتها إسرائيل أثناء عُـدوانها الغاشم على غزّة، انقلبت لاحقا لتكون قوّة معنَـوية لصالح حماس، لاسيما حين صدر تقرير غولدستون مؤكِّـدا قيام إسرائيل بارتِـكاب جرائم حرب وضدّ الإنسانية، حين حاصرت الأبرياء وقتلت الناس على مرأى ومسمَـع من العالم كله، ودمّـرت البنية الأساسية للقطاع تدميرا منهَـجيا، ليُـحوِّل حياة الناس إلى جَـحيم وخراب. وبعد التقرير، سرت حالة حقوقية في بعض البلدان سعَـت لأن تُـحاكم قضائيا رجالات إسرائيل الذين تورّطوا في العدوان على القطاع. وما حدث فى بريطانيا في منتصف شهر ديسمبر مع وزيرة خارجية إسرائيل السابقة تسيبى ليفنى، جسّـد هذا التحوُّل في معاملة مجرمي الحرب الإسرائيليين.
أما السلطة، فبدورها لم تستطِـع أن تقدِّم الدليل على أن نهْـج التسوية يُـمكن أن يُـعيد الحقوق الفلسطينية أو يُـقيم دولة مستقلة أو يُـحافظ على الأرض التي يتم قضْـمها واستيطانها بلا أي رادع. ومن ثم جاء ضعف البدائِـل ليصُـبّ في صالح حماس، رغم أن إدارتها لشؤون القطاع لا تقِـل سوءً عمّـا كانت تتّـهم به السلطة سابقا.
يُـضاف إلى ذلك بعض التّـأييد المعنوي والسياسي والإعلامي من أطراف عربية وإقليمية، باعتبار أن حماس، رغم كل شيء، لم تتنازل عن قناعاتها في المقاومة التي تعطّـلت على يديها وتوقّـفت في انتظار المجهول.
تجليات تصلّـب حماس
تصلّـب حماس إزاء السلطة وإزاء إسرائيل تجلّـى في أمريْـن. الأول، رفض صيغة المُـصالحة التي توصّـلت إليها مصر بعد مُـعاناة وأخذٍ وردٍّ طِـوال عام كامل، بحجّـة أن الصياغة النهائية لورقة المصالحة المقدّمة من مصر، لا تتناسب تماما مع ما تمّ التوصل إليه في اللقاءات التي جرت مع فتح أو باقي الفصائل الفلسطينية الأخرى، وأن هذه الصياغة تُحمِّـل حماس مسؤوليات لا تنسَـجِـم مع قناعاتها السياسية والفِـكرية، وبالتالي، فالافضل أن يظل الحال على ما هو عليه.
أما التجلي الثاني، فجاء في صورة التمسُّـك والإصرار على الإفراج عن عدد من الأسْـرى الفلسطينيين، الذي يقترِب من الألف وفيهم أسماء بعيْـنها من الضفة والقطاع، مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي المأسور في صيف 2007، وهو الموقف الذي تعترِض عليه الدوائر الأمنية الإسرائيلية، لأن الإفراج عن هكذا عدد كبير، قد يغري فصائل فلسطينية، من بينها حماس، أن تعيد الكرّة مرّة أخرى وتأسِـر جنديا آخر وتُـبادله بعدد أكبر من الأسرى، وبما يهدِّد من قُـدرة الرّدع الإسرائيلية، حسب المنظور الإسرائيلي.
العلاقة مع مصر
لكن تصلُّـب حماس في موضوع المصالحة تحديدا، لا يخُـص السلطة فحسب، بل يخُـصّ أيضا العلاقة مع مصر، وهنا تتجلّـى إشكالية سياسية وعملية عَـويصة، سواء بالنسبة لمصر أو بالنسبة لحماس. فلا جِـدال أن هناك رِهانا مصريا على تحويل المُـصالحة إلى آلية، ليس فقط لإنهاء الانقسام الفلسطيني، بل أيضا لإطلاق عملية تسوية بالتّـنسيق مع الولايات المتحدة، وإنهاء حالة الحِـصار على القطاع، وبالتالي، تنتهي ظاهرة التهريب عبْـر الأنـفاق عبْـر الحدود المصرية مع غزّة، وهي الظاهرة التي تحمل تحدِّيات أمنية كثيرة بالنسبة لمصر، وِفقا لقناعة مؤسساتها السياسية والأمنية معا.
وكم كان غضَـب القاهرة مكتوما حين أوقفت حماس قبل أيام معدودة فقط عملية التّـوقيع على ورقة المصالحة التي اجتهدت مصر في صياغتها، وكما كانت مصر تتغاضى عن ظاهرة أنفاق تهريب السِّـلع والأفراد مع غزة، فإنها كانت تتعرّض لانتقادات كثيرة.
كان التغاضي مصحوبا بأسباب إنسانية، فالأنفاق في بدايتها شكّـلت المنفذ الوحيد بعد إغلاق المنافذ بين القِـطاع وإسرائيل، ولكن مع تطوّر عملها لتُـصبح مصدرا لخطر يشمل تهريب المخدِّرات والأسلحة والأفراد مِـن وإلى الأراضي المصرية، ومع عدَم تجاوُب سلطة حماس مع الجهود المصرية للمصالحة ولضرورات أمنية قصوى، تقرّر حماية الحدود عبْـر وسيلة غير مُـعتادة، تمثّـلت في بناء سُـور حديدي يمتدّ إلى عُـمق الأرض، ليمنَـع تقريبا كلّ الأنفاق التي باتت خارِج السَّـيطرة.
وبينما تصرّفت مصر بمنطِـق الدولة التي تستظل بسيادتها على كافة أراضيها، ترى دوائر حماس أن تصرّفا كهذا هو تصرّف لا إنساني، إذ يدعم الحِـصار ويزيد الخنق على أهالي القطاع. وما بيْـن هذين المَـنطقيْـن، تزداد المُـعاناة الفلسطينية.
هكذا دارت عجلة عام 2009، بدأت بمُـعاناة كُـبرى وتضحِـيات وعُـدوان، وانتهت باستمرار الحِـصار والانقِـسام وجمود جهود التسوية، ولا يبقى سوى الأمل أن يحمل العام الجديد أمرا جديدا بالفعل. بيْـد أن المؤشِّـرات تقول إن الجديد لن يخرُج عن مزيد من الانقِـسام والمُـعاناة. و لا عزاء لفلسطين وأهلها.
د. حسن أبوطالب – swissinfo.ch - القاهرة
Labels: مقالات باللغة العربية


0 Comments:
Post a Comment
<< Home